الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
193
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
إلّا بتوبة ، ولا أظنّ قلبك إلّا مطبوعا ، أراك قد وقفت بين الحق والباطل كأنك تنتظر شيئا في يدي غيرك . فقال معاوية : ألقاك بالفيصل أول مجلس . فلما بايعه أهل الشام ، قال : الحق بصاحبك . وكتب إليه بالحرب . وقال نصر ( 1 ) أيضا : قال الشعبي إنّ عليّا عليه السّلام حين قدم من البصرة ، نزع جريرا عن همدان ، فأراد عليّ عليه السّلام أن يبعث إلى معاوية رسولا ، فقال له جرير : ابعثني ، فإن معاوية لم يزل لي مستنصحا ووادا - إلى أن قال - قال عليه السّلام له : إيت معاوية بكتابي فإن دخل في ما دخل فيه المسلمون ، وإلّا فانبذ إليه ، واعلم أنّي لا أرضى به أميرا وأنّ العامة لا ترضى به خليفة . فانطلق حتى أتى الشام ، وقال : يا معاوية إنهّ قد اجتمع لابن عمّك أهل الحرمين ، وأهل المصرين ، وأهل الحجاز ، وأهل اليمن ، وأهل مصر ، وأهل العروض ، وعمان ، وأهل البحرين ، واليمامة ، ولم يبق إلّا هذه الحصون التي أنت فيها لو سال عليها سيل من أوديته غرقها - إلى أن قال - خطب معاوية وقال : أيها الناس قد علمتم أنّي خليفة عمر ، وأنّي خليفة عثمان ، وأنّي وليه وقد قتل مظلوما واللّه يقول : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لوِلَيِهِِّ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إنِهَُّ كانَ مَنْصُوراً ( 2 ) وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان . فقاموا بأجمعهم ، وأجابوا إلى الطلب بدمه ، وبايعوه على ذلك . وفي ( خلفاء ابن قتيبة ) ( 3 ) : ذكروا أنّ معاوية قال لجرير : رأيت رأيا ، أكتب إلى علي أن يجعل لي الشام ومصر ، فإن حضرته الوفاة لم يجعل لأحد من بعده في عنقي بيعة ، وأسلّم إليه هذا الأمر ، وأكتب إليه بالخلافة . قال جرير :
--> ( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 27 . ( 2 ) الاسراء : 33 . ( 3 ) الخلفاء لابن قتيبة 1 : 95 .